محمد عبد الكريم عتوم
22
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
ويرى الباحث أن من أبرز مهام وواجبات المؤسسة التربوية في العالم الإسلامي حالياً ، احتواء الأزمات المذهبية ، والتي انفجرت بعدة مجتمعات إسلامية واحتواء تداعياتها على الناشئة والعمل على خلق ثقافة التقريب بين المسلمين ، حيث أن معظم الخلافات المذهبية بين الجماعتين السنة والشيعة ذات جذور سياسية تكرست من خلال التثقيف المذهبي السياسي المتباين لدى الجانبين ، وتكرست من خلال قنوات التنشئة السياسية والاجتماعية المعروفة . ويعتقد الباحث أن الاهتمام يجب أن يتركز على خلق ثقافة سياسية ، وبلورتها من خلال بناء نموذج موحد للفكر التربوي السياسي الإسلامي المعاصر ، يلقى قبولًا واستجابة من الجانبين ، يستند في مرجعيته إلى كل من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة المؤكدة ، والمصالح المرسلة للمسلمين ، والمصادر المتفق عليها . والحقيقة أن هذا الموضوع ، فضلًا عن أهميته ، فهو مترامي الأطراف وعلى درجة كبيرة من السعة والتشعب ، إذ هو بحث في التربية الإسلامية عامة ، والفقه السياسي لدى كل من أهل السنة والجماعة والشيعة الإمامية الاثني عشرية ، وكان يكفي تناول جزئية من جزئياته ، أو جانب من جوانبه ليكون موضوعاً لهذه الرسالة ، لكن الباحث آثر تناول كل الموضوع بشموليته ؛ طمعاً في الإسهام بمحاولة بناء أنموذج للفكر التربوي السياسي الإسلامي المعاصر ، يكون مرجعاً وزاداً للأجيال الناشئة ، من خلال عمليات التنشئة السياسية والاجتماعية المتواصلة والدائمة . ومما زاد في صعوبة الموضوع أن أبحاثه مبعثرة في ثنايا علوم متشعبة ، كعلم الكلام والتاريخ والفقه والأصول والحديث والتفسير والتربية والعلوم السياسية وهو ما يتطلب الرجوع لجميع تلك العلوم واستخراج ما يتعلق منها بالبحث . والباحث إذ يحاول وضع أسس وأطر عريضة لأنموذج للفكر التربوي السياسي الإسلامي المعاصر ، ليدرك تمام الإدراك أن الجمود السياسي في العالم الإسلامي خلال العصور السابقة ، قد ولدّ ثقافة سياسية استبدادية لازمت المسلمين في معظم عصورهم . فمنذ أن تحول النظام السياسي الإسلامي من خلافة راشدة ، إلى ملك عضوض ، نأى الفقهاء والعلماء بأنفسهم عن التفكير بالشأن السياسي ، واستمر تضاؤل اهتمامهم بمباحث الأحكام السلطانية ، كالبيعة والطاعة والإمارة والولاية والشورى والحسبة ، وأهل الحل والعقد ، حتى أُفرغت هذه المفاهيم من مضامينها ،